الشيخ محمد رشيد رضا

96

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

والعقد ، حتى فرض اللّه على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم مشاورتها في أمورها ، وقال له ربه في صيغة مبايعة نسائها له ( وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ) وبها كان يبايع الرجال كالنساء ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم « لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق انما الطاعة في المعروف » رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث علي كرم اللّه وجهه وأما كنانة فقد كان أشهر ذرية إسماعيل في العلم والحكمة ، والكرم والنبل ، حتى كانت العرب تحج اليه ، وينقلون عنه حكما رائعة ، وكفى بهذا اصطفاء عليهم ، وامتيازا فيهم ، واما امتياز قريش على سائر العرب فهو معروف متواتر وأهمه أن ما ذكرناه من عزة النفس ، واستقلال الإرادة والعقل ، كان أكمل فيهم ، فان بعض العرب في أطراف جزيرتهم خضعوا لسيادة الفرس والروم خضوعا ما ، وجملته انهم كانوا أصرح ولد إسماعيل أنسابا ، وأشرفهم احسابا ، وأعلاهم آدابا ، وأفصحهم ألسنة ، وهم الممهدون لجمع الكلمة العامة ، بعد أن جمع قصي جميع قبائلهم بمكة ، واستقلوا بخدمة المسجد الحرام من الحجابة وسقاية الحاج والرفادة وهي اسعاف الفقراء والمساكين من الحجاج وغيرهم ، وأسسوا دار الندوة لأجل الشورى في الأمور المهمة ، وكانوا أعرف العرب ببطون العرب في جميع جزيرتهم بما كانوا يتناوبونه من رحلة الشتاء والصيف ، وبذلك كانوا أغنى العرب أيضا وأشرفهم بلا منازع ، وناهيك بما عقدوا من حلف الفضول في حداثة سن الرسول وهو انهم تعاقدوا وتعاهدوا أن لا يجدوا بمكة مظلوما إلا قاموا معه ، وكانوا عونا له على من ظلمه . إلى أن ترد مظلمته ، وفي حديث الزبير بن العوام وأم هانيء عن الطبراني وتاريخ البخاري « فضل اللّه قريشا بسبع خصال : فضلهم بأنهم عبدوا اللّه عشر سنين لا يعبد اللّه إلا قرشي ( أي لا يعبده وحده من العرب إلا قرشي ) وفضلهم بأنه نصرهم يوم الفيل وهم مشركون ( أي نصرهم على قوة تفوق قوتهم كثيرا بما يشبه نصره لرسله في كونه بدون استعداد كسبي يقرب من استعداد عدوهم ) وفضلهم بأنه نزل فيهم سورة من القرآن لم يدخل فيها أحد من العالمين وهي ( لايلاف قريش ) وفضلهم بان فيهم النبوة والخلافة والحجابة والسقاية »